بسم الله الرحمن الرحيم
توطئة
واعلم — أرشدك الله إلى سواء السبيل — أنّ مِن آفات هذا الزمان أنّ الناس إذا طرأ عليهم أمرٌ جديد انقسموا فيه قسمةً لا ثالث لها: فريقٌ يهلّل له تهليل مَن لا يُفرّق بين الأداة والغاية، وفريقٌ يُنكره إنكار مَن لا يُميّز بين الجِدّة والخطر. وكلا الفريقَين لم يُنصف نفسه ولا أنصف الحقيقة.
وإنّي لمّا رأيتُ كثرةً في اللَّغَط حول ما يستطيعه الذكاء الاصطناعي أمام القضاء وفي خدمة المتقاضين، ورأيتُ مَن يُسرف في المدح حتى كأنّ الآلة قد حلّت محلّ العقل البشريّ جملةً، ورأيتُ مَن يُسرف في الذمّ حتى كأنّ الانتفاع بها ضربٌ من العبث — أحببتُ أن أُفصّل القول تفصيلاً يُزيل اللَّبس ويضع كلّ شيء في نصابه، فأقول — والله المستعان:
المقدّمة الأولى: الآلةُ لا تُغني عن الإنسان
واعلم أنّ أوّل ما ينبغي تقريره — قبل كلّ تفصيل وبيان — أنّ الذكاء الاصطناعيّ مهما بلغ من الدقّة والسرعة لا يُغني عن التدخّل البشريّ، ولا يقوم مقام العقل الإنسانيّ في التقدير والترجيح والاستنباط. والقول بفاعليّته — وهو ما سأبسطه في هذه المقالة — لا يعني البتّة إلغاء دور الإنسان، وإنّما يعني الانتفاع بأداةٍ تُعين على الإنجاز، كما ينتفع الكاتب بالقلم والطبيب بالمِبضع.
فإنّ المعطيات التي تُقدَّم للذكاء الاصطناعيّ إنّما يصوغها بشرٌ، والنتائج التي يستخلصها إنّما يُراجعها بشرٌ ويُمحّصها ويزنها بميزان الواقع والخبرة والحكمة التي لا تُكتسب إلّا بطول المِراس. على أنّ مَن أنكر نفع الآلة لأنّها آلة فقد أنكر نفع كلّ أداةٍ أعانت الإنسان منذ أن عرف الكتابة، وهذا مذهبٌ لا يستقيم.
المقدّمة الثانية: تجربةٌ ممتدّة لا استنتاجٌ عابر
ولستُ أتكلّم في هذا الباب كلام مَن سمع بالذكاء الاصطناعيّ سماعاً فأدلى برأيه، ولا كلام مَن جرّب تجربةً واحدة فبنى عليها حُكماً عامّاً — وهذا أكثر ما يقع فيه الناس: أن يُعمّموا من جزئيّة واحدة حُكماً كلّيّاً، فإذا أصابت التجربة مرّة قالوا: هذا يُغني عن كلّ شيء، وإذا أخفقت مرّة قالوا: هذا لا ينفع في شيء.
وإنّما جرّبتُ الكثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعيّ بمختلف تخصّصاتها والمهامّ التي يستطيع كلُّ واحد منها تنفيذها بدقّة، فجرّبتها في القانون نظريّاً وفي التطبيقات العمليّة لممارسة مهامّي في مهنة المحاماة، وجرّبتها في الشعر ونظمه، وفي المعرفة والفلسفة، وفي كلّ ما هو داخلٌ ضمن إطار اهتمامي. فما سأقوله ناتجٌ عن مُعايشة طويلة للأداة ومُعاينة دقيقة لمواطن قوّتها ومواطن قصورها.
المقدّمة الثالثة: المحاماة مهنةٌ قائمة على الشخص لا على الورق
واعلم أنّ مهنة المحاماة من أكبر المهن التي يقوم فيها العامل الشخصيّ مقاماً لا يقوم غيره مقامه، شأنها في ذلك شأن الطبّ — بل لعلّها أشدّ. فإنّ العميل لا يقصد «محامياً» مجرّداً، وإنّما يقصد ذات المحامي وشخصه: عقله وحكمته ولسانه وحضوره وقدرته على بعث الطمأنينة في نفس قاصده.
وبالذات في بلدنا المبارك — لعوامل مجتمعيّة ونفسيّة كثيرة — فإنّ الثقة هي عملة التعامل الأولى. فإذا اكتسب المحامي ثقة قاصده — إمّا عن طريق توصية من المعارف والأقارب، أو عن طريق حُسنٍ في عرض خدماته، أو طلاقةٍ في الكلام وبِشرٍ في الوجه وحسن استماع — فقد ملك مفتاح العلاقة المهنيّة بأسرها. وهذا بابٌ لا تدخله آلةٌ ولا تطبيق، لأنّ الثقة الشخصيّة لا تُبرمَج.
واعلم أنّ العامل الشخصيّ الذي ذكرناه لا يقتصر على ما يبدو ظاهراً من حُسن الاستقبال وطلاقة اللسان — فهذا أيسره وأهونه — وإنّما يمتدّ إلى ما هو أعمق وأخطر: وهو إحاطة المحامي بانفعالات عميله النفسيّة وفهم دوافعه الحقيقيّة من وراء القضيّة.
فإنّ العميل حين يدخل على المحامي لا يدخل عليه بملفٍّ وأوراق فحسب، وإنّما يدخل عليه بمشاعر وهموم ومخاوف وتوقّعات — وربّما بغضبٍ يُعمي عن الصواب أو بعجلةٍ تدفع إلى ما لا يُحمد عقباه. والمحامي الحقيقيّ — أعني الذي يستحقّ هذا الوصف — لا يتلقّى طلب العميل تلقّياً آليّاً فيُبادر إلى رفع القضيّة لمجرّد أنّ العميل طلب ذلك، وإنّما يتلقّاه تلقّي الطبيب الذي يفحص قبل أن يصف: يستمع ويسأل ويتقصّى ويُقلّب الأمر على وجوهه، ثمّ يُقدّر — بعقله وخبرته — هل المصلحة في المضيّ أم في الإحجام.
وهذا بابٌ عظيم في مهنة المحاماة لا يُنتبه إليه كثيراً: أنّ دور المحامي ليس أن يُنفّذ رغبة العميل، بل أن يُرشده إلى ما فيه مصلحته الحقيقيّة وإن خالفت رغبته. فربّما جاءه العميل يريد رفع دعوى وهو مشتعلٌ غضباً من خصمه، والمحامي يرى — بعد تأمّل الوقائع والبيّنات — أنّ القضيّة لا تقوم على ساقَين: البيّنات غير كافية، والمُدّة النظاميّة قد تكون على وشك الانقضاء أو قد انقضت، والتكاليف القضائيّة من رسوم وأتعاب ووقت ستترتّب على العميل في كلّ حال — ربح القضيّة أو خسرها — فيصير رفع الدعوى ضرره أكبر من نفعه، ويكون الأولى بالعميل أن يترك القضيّة ويصون ماله ووقته.
فهنا يتجلّى جوهر العمل المهنيّ للمحاماة جلاءً لا خفاء فيه — وبالذات في بلدنا المبارك، حيث يأتي كثيرٌ من العملاء وهم لا يُميّزون بين الحقّ الذي يُطالَب به والحقّ الذي تنفع المطالبة به. والمحامي حينئذٍ لا يؤدّي دور الوكيل فحسب، بل يؤدّي دور الناصح المؤتمن: يحتوي عميله ويُهدّئ من روعه ويُبيّن له الصورة كاملة بما فيها من محاسن ومخاطر، ثمّ يتركه يقرّر على بصيرة. وربّما كان أعظم خدمة يُقدّمها المحامي لعميله ليس أن يرفع له قضيّة بل أن يُقنعه بعدم رفعها — وهذا ضربٌ من الحكمة لا يملكه إلّا مَن جمع بين العلم بالنظام والفهم للنفس البشريّة والخبرة بمآلات الأمور.
وربّما لا يحتاج العميل أصلاً إلى محامٍ يترافع عنه، وإنّما يحتاج إلى استشارة قانونيّة صادقة تُبيّن له أنّ قضيّته لا جدوى منها، أو أنّ طريق الصلح أنجع، أو أنّ ما ظنّه حقّاً مغصوباً ليس كذلك عند التدقيق في النصوص النظاميّة. وهذه الاستشارة — على قِصرها — قد توفّر على العميل أشهراً من التقاضي وآلاف الريالات من التكاليف وكثيراً من الإرهاق النفسيّ.
فأين الذكاء الاصطناعيّ من كلّ هذا؟ أين هو من قراءة وجه العميل وهو يروي قصّته؟ أين هو من إدراك أنّ ما يُحرّك العميل ليس الحقّ بل الانتقام، أو ليس المصلحة بل العناد؟ أين هو من تلك اللحظة التي ينظر فيها المحامي في عينَي عميله ويقول له بكلّ صدق: «أنصحك ألّا ترفع هذه القضيّة» — فيكون بذلك قد أدّى أمانته خيراً ممّا لو ربح له عشر قضايا؟ هيهات — فإنّ هذا كلّه إنسانيٌّ صرف، لا تبلغه آلة ولا تدنو منه.
المقدّمة الرابعة: بين السخط والاستخفاف — كلاهما غلوّ
ولا أستطيع أن أتفهّم سخط بعض الزملاء المحامين على مَن يتحدّث عن فاعليّة الذكاء الاصطناعيّ، مع أنّ النظام لا يُلزم بتوكيل محامٍ في أكثر القضايا إلّا في بعض القضايا التجاريّة والطلبات المحدّدة. فالمتقاضي اليوم يدخل كثيراً من أبواب القضاء بغير محامٍ، شاء المحامون أم أبَوا — فليس الأمر بيدهم.
ولا أستطيع — في المقابل — أن أتفهّم الغضّ من دور المحامي مطلقاً، كما رأيته في بعض الردود التي يتداولها الناس. فالمحاماة مهنةٌ معتبرة عالميّاً، وكلّما اتّسع النشاط البشريّ وتشعّبت مناحيه كثرت الأنظمة التي تنظّمه، وكلّما كثرت الأنظمة ازدادت الحاجة إلى مَن يُحسن فهمها وتطبيقها والترافع في ضوئها.
فالغلوّ في السخط غلوّ، والغلوّ في الاستخفاف غلوّ. والحقّ بينهما: أنّ المحامي لا يُستغنى عنه بآلة، ولكنّ المحامي الذي يأبى الانتفاع بالآلة يَحرم نفسه أداةً قد تنفعه.
وعليه فإنّ مقالتي هذه ناجمةٌ عن معرفة مسبقة وإحاطة بما سأتكلّم عنه وأُفيض فيه بتفصيلٍ يهمّ القاضي والمتقاضي والمحامي وكلّ مهتمّ بهذا المجال.
وعليه أقول — مستعيناً بالله:
النقطة الأولى: قِسما ممارسة المحاماة — الإداريّ والتطبيقيّ
واعلم أنّ ممارسة مهنة المحاماة تنقسم — عند التأمّل — إلى قسمَين متمايزَين لا ينبغي الخلط بينهما، لأنّ الخلط بينهما هو أصل الخطأ في تقدير ما يستطيعه الذكاء الاصطناعيّ وما لا يستطيعه:
القسم الأوّل: المهامّ الإداريّة
وهي المهامّ التي تبدأ من السكرتارية التي تُنظّم مواعيد استقبال العملاء وترتيب جدول الأعمال، وتمتدّ إلى متابعة الإيرادات الماليّة، والإجراءات التنفيذيّة من رفع القضايا والطلبات المتعلّقة بها، وإعداد المسوّدات الأوّليّة للعقود، والهيكلة الإداريّة لمنشأة المحاماة، وغير ذلك ممّا يقتضيه تسيير العمل اليوميّ.
وهذه المهامّ قد يقوم بها موظّف واحد أو عدّة موظّفين ينوبون عن المحامي في إنجازها، بحسب حجم منشأته ونطاقها. وهنا — بالتحديد — يظهر أوّل أوجه فاعليّة الذكاء الاصطناعيّ، فإنّ كثيراً من هذه المهامّ نمطيٌّ متكرّر، يخضع لقواعد محدّدة ويسير وفق مسارات مرسومة، وهو ما تُجيده الأنظمة الذكيّة إجادةً تفوق البشر في السرعة والدقّة وقلّة الخطأ.
فتنظيم الجداول الزمنيّة، ومتابعة المواعيد القضائيّة، وإعداد القوالب الأوّليّة للعقود الروتينيّة، وفرز المراسلات وتصنيفها، وحساب المُدد النظاميّة — كلّ هذا يمكن أن يُسنَد إلى أدوات الذكاء الاصطناعيّ بكفاءةٍ عالية، فيُوفّر على المحامي وقتاً ثميناً كان يُنفَق في أعمال لا تحتاج إلى ملَكته القانونيّة.
القسم الثاني: العمل التطبيقيّ — وهو صُلب المهنة
وأمّا القسم الثاني فهو العمل التطبيقيّ الذي يدخل فيه دور المحامي باعتباره محامياً حقّاً، ويُمارس فيه مهامّ المهنة بأكمل وجه. وهذا يشمل: توجيه القضيّة وتكييفها التكييف النظاميّ الصحيح، وتحديد احتياج العميل فعليّاً بناءً على المعطيات التي يتلقّاها منه، وتقدير ما إذا كانت الحالة تستدعي رفع دعوى أو محاولة صلح أو سلوك طريق آخر من الطرق النظاميّة.
وهذا القسم هو الذي يتجلّى فيه العامل الشخصيّ الذي ذكرناه آنفاً، فإنّ التكييف القانونيّ ليس عمليّة آليّة تُدخَل فيها وقائع فتخرج منها نتائج، وإنّما هو عمليّة ذهنيّة مركّبة تتداخل فيها المعرفة بالنصوص مع الخبرة بالتطبيق مع الفهم العميق لظروف القضيّة وملابساتها ومآلاتها. والمحامي المتمرّس قد يقرأ في وقائع واحدة ما لا يقرأه غيره، لأنّه ينظر بعين المِراس لا بعين النصّ وحده.
ولا يكتمل الحديث عن العمل التطبيقيّ دون ذكر جانبٍ يغفل عنه كثيرٌ ممّن يتحدّثون عن الذكاء الاصطناعيّ في المحاماة — وكأنّ المحاماة كلّها جلوسٌ خلف شاشة وصياغة أوراق — وهو الجانب الميدانيّ من عمل المحامي.
فإنّ المحامي في ممارسته اليوميّة — ولا سيّما في المملكة العربيّة السعوديّة — لا يكتفي بما يرد إليه من أوراق ومستندات، بل يتقصّى ويُدقّق ويُحقّق بنفسه. فتراه يُراجع البيّنات التي بين يدَي عميله ورقةً ورقة، ويكتشف فيها ما يخفى على العميل نفسه من ثغرات أو نقاط قوّة: عقدٌ فيه بندٌ غائب، أو إيصالٌ يُثبت واقعة كان العميل يظنّها بلا دليل، أو مراسلةٌ تنقض ادّعاء الخصم من أساسه.
ثمّ إنّ المحامي يخرج من مكتبه إلى الميدان: يزور الجهات الحكوميّة لاستخراج وثائق أو التحقّق من معلومات، ويُراجع الدوائر الرسميّة للحصول على إفادات أو شهادات، ويتعامل مع الإجراءات الإداريّة التي تتطلّب حضوراً شخصيّاً ومتابعة مستمرّة. ويذهب إلى مراكز الشرطة لتقديم الشكاوى أو متابعتها، ويحضر أمام النيابة العامّة في قضايا الحقّ العامّ، ويتواصل مع الجهات الأمنيّة في مسائل تتطلّب التنسيق والتدخّل. وكلّ زيارة من هذه الزيارات تتطلّب معرفةً بالإجراءات النظاميّة لكلّ جهة، وقدرةً على التعامل مع الموظّفين والمسؤولين، وحضوراً ذهنيّاً لاقتناص ما قد يُفيد القضيّة في كلّ لقاء.
وقد يحتاج المحامي إلى زيارات ميدانيّة لموقع النزاع نفسه: يُعاين العقار محلّ الخلاف، أو يتفقّد المنشأة التي يدور حولها الخصام، أو يلتقي بشهود في أماكنهم، أو يجمع معلوماتٍ من السوق أو من أهل الاختصاص تُعينه على بناء تصوّرٍ كامل للقضيّة. وهذا عملٌ بدنيّ ذهنيّ في آنٍ واحد: يتطلّب التنقّل والحضور والملاحظة والتقدير — وكلّها أشياء لا يملكها الذكاء الاصطناعيّ ولن يملكها.
فمَن يتوهّم أنّ المحاماة مجرّد كتابة مذكّرات وصياغة عقود فقد رأى رأس الجبل وغابت عنه قاعدته. والمحامي الذي يؤدّي مهنته حقّ الأداء هو الذي يجمع بين القلم واللسان والقدم: يكتب ويترافع ويسعى — ولا يقوم بشيء من ذلك وهو جالسٌ ينتظر أن تُنجز عنه الآلة ما لا يُنجَز إلّا بالحضور والمباشرة.
على أنّ هذا لا يعني أنّ الذكاء الاصطناعيّ لا ينفع في هذا القسم أيضاً — هيهات! — وإنّما ينفع نفعاً مختلفاً عن نفعه في القسم الأوّل. ففي القسم الإداريّ يكاد يقوم مقام الموظّف، أمّا في القسم التطبيقيّ فهو أداةٌ مُعينة للمحامي لا بديلةٌ عنه: يُساعده في البحث في الأنظمة واللوائح ومراجعة السوابق القضائيّة وتلخيص المستندات المطوّلة واستخراج النقاط الجوهريّة منها، وتحليل المعطيات الكمّيّة، وصياغة المسوّدات الأولى للمذكّرات التي يُراجعها المحامي ثمّ يُنقّحها بملَكته وخبرته.
النقطة الثانية: ما يستطيعه الذكاء الاصطناعيّ أمام القضاء — تفصيلاً
فإذا تقرّر عندك أنّ المحاماة قسمان، وأنّ الذكاء الاصطناعيّ يتفاوت نفعه بتفاوت القسمَين، فاعلم أنّ فاعليّته أمام القضاء تتجلّى في مواضع بعينها، أسوقها لك مرتّبة:
أوّلاً: البحث النظاميّ والاستقصاء
فإنّ من أعظم ما يُفيد فيه الذكاء الاصطناعيّ البحثَ في الأنظمة واللوائح والتعاميم والقرارات الوزاريّة — وهي كثيرةٌ متشعّبة يعسر على المحامي استقصاؤها كلّها في وقت قصير. فبدلاً من أن يقضي المحامي ساعاتٍ في التقليب والمراجعة، يستطيع أن يحصل على النصوص ذات الصلة بقضيّته في دقائق، مع إشارة إلى تعديلاتها وتواريخ نفاذها وعلاقتها ببعضها. على أنّ المحامي هو الذي يُقدّر أيّ هذه النصوص أنسب لقضيّته وأقوى في الحجّة — وهذا لا تفعله الآلة.
ثانياً: مراجعة السوابق القضائيّة
ومن أنفع ما ينتفع به المحامي: أن يبحث في السوابق القضائيّة المشابهة لقضيّته، فيعرف كيف قضت المحاكم في وقائع مماثلة، وأيّ الحجج كانت مؤثّرة وأيّها رُدّ. والذكاء الاصطناعيّ يستطيع أن يمسح قواعد بيانات الأحكام القضائيّة ويستخرج منها ما يتّصل بموضوع الدعوى اتّصالاً مباشراً، فيختصر على المحامي رحلة بحثٍ قد تطول. غير أنّ تقييم مدى انطباق السابقة على الواقعة المعروضة يظلّ عملاً بشريّاً محضاً.
ثالثاً: صياغة المذكّرات والطلبات
وممّا جرّبتُه بنفسي أنّ الذكاء الاصطناعيّ يستطيع إنتاج مسوّدات أوّليّة للمذكّرات القانونيّة والطلبات القضائيّة بمستوى مقبول من الدقّة اللغويّة والبنائيّة. فيضع الهيكل العامّ ويُرتّب الحجج ترتيباً منطقيّاً ويستحضر النصوص النظاميّة المناسبة. لكنّ المسوّدة تبقى مسوّدة: تحتاج إلى مراجعة المحامي لتكييف اللغة مع مقتضى القضيّة، ولتعزيز الحجج بخبرته، ولحذف ما لا يناسب وإضافة ما يغيب عن الآلة.
استدراك جوهريّ: الفرق بين الصياغة والاستنباط — وهنا مربط الفرس
على أنّني لمّا ذكرتُ أنّ الذكاء الاصطناعيّ يستطيع إنتاج مسوّدات أوّليّة للمذكّرات والطلبات، فلا بدّ من استدراكٍ لا تتمّ الفائدة إلّا به، وهو من أدقّ ما وقفتُ عليه في تجربتي الممتدّة مع هذه الأدوات.
فإنّني جرّبتُ الذكاء الاصطناعيّ في صياغة مذكّرات كثيرة — مذكّرات دعاوى ومذكّرات اعتراضات على أحكام — فوجدتُ الخلل فيه أكثر وأظهر كلّما تعمّقت المذكّرة في التطبيق الموضوعيّ للنصوص على الوقائع. وبيان ذلك أنّ المذكّرة القانونيّة ليست مجرّد سردٍ للوقائع ثمّ إيراد نصوصٍ نظاميّة بجوارها — وهذا ما يُحسنه الذكاء الاصطناعيّ ويُجيده — وإنّما جوهر المذكّرة هو الاستنباط: أن تنظر في نصّ المادّة فتستخرج منه حُكماً ينطبق على واقعتك انطباقاً دقيقاً، ثمّ تبني عليه حجّتك بناءً محكماً يُقنع القاضي.
خذ مثالاً من نظام المعاملات المدنيّة: حين تنظر في مادّةٍ تتعلّق بالفسخ للإخلال — فإنّ مجرّد إيراد المادّة لا يكفي. المحامي يحتاج أن يُبيّن كيف تنطبق شروط المادّة على وقائع قضيّته بعينها: هل الإخلال جوهريّ أم ثانويّ؟ هل أُعذر الطرف المخلّ؟ هل يستحقّ التعويض مع الفسخ أم الفسخ وحده؟ وكلّ سؤال من هذه الأسئلة يتطلّب عمليّة ذهنيّة مركّبة: قراءة النصّ، وفهم علّته، وتنزيله على الواقعة بما يتناسب مع ملابساتها.
والأمر أعمق من هذا إذا رفعتَ النظر عن المادّة المفردة إلى ما وراءها. فإنّ النصوص النظاميّة لم تُوجد من عدم، وإنّما هي ثمرةُ فلسفةٍ قانونيّة متراكمة عبر قرون، وانبثاقٌ عن أصول تشريعيّة تمتدّ جذورها إلى الفقه الإسلاميّ والقانون الرومانيّ والنظريّات الفلسفيّة الكبرى في العدالة والإنصاف والمصلحة.
والذكاء الاصطناعيّ حين يصوغ مذكّرة — وقد رأيتُ ذلك مراراً — يميل إلى ما أُسمّيه «القياس السطحيّ»: يجد تشابهاً لفظيّاً بين الواقعة والنصّ فيربط بينهما، دون أن يُدرك أنّ التشابه اللفظيّ قد يُخفي اختلافاً جوهريّاً في المناط. وهذا النوع من الخطأ خطيرٌ في الممارسة القضائيّة، لأنّ المذكّرة التي تستدلّ بنصٍّ في غير موضعه لا تضرّ فقط بالقضيّة، بل تُضعف مصداقيّة صاحبها أمام القاضي.
فخلاصة هذا الاستدراك: أنّ الذكاء الاصطناعيّ يُحسن الجمع والترتيب والصياغة الشكليّة، لكنّه يعجز عن الاستنباط الموضوعيّ الذي هو لُبّ العمل القانونيّ. والاستنباط ليس مهارة تقنيّة يمكن برمجتها، وإنّما هو ملَكة عقليّة تتغذّى من فهم فلسفة القانون وأصوله ومقاصده، ومن خبرة طويلة في رؤية كيف تتحوّل النصوص إلى أحكام في أروقة المحاكم. ومَن ظنّ أنّ الآلة تكفيه مؤونة هذا الاستنباط فقد غرّته ظواهر الأمور عن حقائقها — وهيهات أن يستوي مَن يجمع النصوص ومَن يفقه مراميها.
رابعاً: تحليل المستندات والعقود
وإذا عُرض على المحامي عقدٌ مطوّل أو حُزمة مستندات كثيرة، فإنّ الذكاء الاصطناعيّ يستطيع قراءتها واستخلاص بنودها الجوهريّة والإشارة إلى مواطن الخلل أو الغموض أو التناقض فيها، في وقتٍ يسير. وهذا من أعظم ما يُوفّره على المحامي وعلى العميل معاً، خاصّةً في القضايا التجاريّة التي تتراكم فيها الأوراق تراكماً يُرهق الباحث.
خامساً: تلخيص الوقائع وترتيبها زمنيّاً
وكثيراً ما يأتي العميل ووقائعه متشابكة ومستنداته مبعثرة، فيحتاج المحامي إلى وقتٍ لترتيب الصورة في ذهنه. والذكاء الاصطناعيّ إذا أُحسن توجيهه يستطيع أن يأخذ هذه الوقائع فيرتّبها ترتيباً زمنيّاً ويُبرز العلاقات السببيّة بينها، فيُقدّم للمحامي خريطةً أوّليّة للقضيّة تُعينه على رؤيةٍ أشمل وأسرع.
النقطة الثالثة: ما لا يستطيعه الذكاء الاصطناعيّ — وهو الأهمّ
وإذا كنتُ قد أنصفتُ الذكاء الاصطناعيّ فيما يُحسنه، فإنّ من الإنصاف أيضاً أن أُبيّن ما يعجز عنه عجزاً لا يُرتجى زواله في المدى المنظور — حتّى لا يغترّ مغترّ فيتوهّم أنّ الآلة تكفيه مؤونة المحامي:
أوّلاً: التكييف القانونيّ الدقيق
فالتكييف هو أن تنظر إلى الوقائع فتُلبسها ثوبها النظاميّ الصحيح: أهذا عقد إجارة أم عقد شراكة؟ أهذا فسخ أم انفساخ؟ أهذا اختصاص عامّ أم تجاريّ؟ وهذا عمل ذهنيّ يتطلّب فهماً عميقاً للفروق الدقيقة بين المفاهيم النظاميّة، ومعرفةً بالممارسة القضائيّة الفعليّة، ودرايةً بما يقبله القاضي وما يردّه.
ثانياً: الترافع والمرافعة الشفهيّة
فالحضور أمام القاضي مقامٌ يتطلّب حضوراً ذهنيّاً وبلاغةً في العرض وسرعةً في الردّ وقدرةً على قراءة المجلس — ردود أفعال القاضي وأسئلته وإشاراته — والتعامل معها آنيّاً. وهذا باب لا تلجه الآلة ولو بلغت ما بلغت، لأنّ المرافعة فنّ إنسانيّ في جوهره: يمتزج فيه العلم بالحكمة بالفراسة بالبيان.
ثالثاً: التفاوض وإدارة العلاقة مع العميل
فالمحامي لا يكتب فحسب، وإنّما يُفاوض ويُصالح ويُدير توقّعات العميل ويُهدّئ مخاوفه ويشرح له ما يمكن وما لا يمكن. وهذه كلّها مهارات إنسانيّة محضة تقوم على الذكاء العاطفيّ والتجربة الاجتماعيّة — وهي ممّا لا تُحسنه الآلة ولا تقترب منه.
رابعاً: الحكم على المآلات والمخاطر
فالمحامي الكفء لا يسأل فقط: «هل لي حقّ نظاميّ؟» وإنّما يسأل: «هل من المصلحة أن أطالب به الآن؟ ما الذي سيترتّب على هذه الخطوة في مسار القضيّة كلّه؟» وهذا تفكير استراتيجيّ لا تملكه الآلة، لأنّه يتطلّب استشراف ما لم يقع بعد بناءً على خبرة بما وقع من قبل.
النقطة الرابعة: أثر ذلك على المتقاضي بلا محامٍ
فإذا تبيّن لك ما يُحسنه الذكاء الاصطناعيّ وما يعجز عنه، فاعلم أنّ المتقاضي الذي يدخل ساحة القضاء بغير محامٍ — وهو كثيرٌ كما ذكرنا — هو الأكثر انتفاعاً بهذه الأدوات، لأنّه يحتاج إلى مَن يُعينه على فهم حقوقه والإجراءات النظاميّة المطلوبة وصياغة طلباته صياغة مقبولة.
فالذكاء الاصطناعيّ يستطيع أن يُرشد المتقاضي إلى الأنظمة المتّصلة بقضيّته، وأن يُساعده في صياغة لائحة دعواه بلغةٍ واضحة، وأن يُنبّهه إلى المُدد النظاميّة التي يجب مراعاتها، وأن يشرح له الإجراءات المطلوبة خطوةً بخطوة. وهذا — في الحقيقة — خدمة جليلة لمن لا يستطيع تحمّل أتعاب المحامي أو لمن تكون قضيّته من البساطة بحيث لا تستوجب توكيلاً.
على أنّ الاستغناء بالذكاء الاصطناعيّ عن المحامي في القضايا المعقّدة والنزاعات الكبيرة مخاطرةٌ لا أنصح بها — فكما أنّك لا تُداوي نفسك في مرضٍ عضال اعتماداً على محرّك بحث، فلا ينبغي أن تترافع في قضيّةٍ مصيريّة اعتماداً على أداة لا تملك ما يملكه المحامي من خبرة وحكمة وقراءة للمشهد.
الخاتمة
فخلاصة القول — بعد هذا التفصيل — أنّ الذكاء الاصطناعيّ أداةٌ نافعة لمن أحسن استعمالها، وخطيرة على مَن اغترّ بها. لا تُغني عن المحامي في ما يقتضي الملَكة والمِراس والحكمة، ولا يُغني المحامي عنها في ما تُحسنه من السرعة والاستقصاء والتنظيم.
والعاقل مَن جمع بين الأمرين: فأفاد من الآلة في ما تُجيده، واستبقى للعقل البشريّ ما لا يقوم به غيره. وأمّا مَن أفرط في أحد الجانبَين — فقد ظلم نفسه وظلم مَن يعتمد عليه.
ورسالتي إلى زملائي المحامين — وأنا واحدٌ منهم — أن لا يخشوا الأداة ولا يستخفّوا بها، وأن يتعلّموا كيف يُسخّرونها لخدمة مهنتهم وعملائهم، مع الحفاظ على جوهر ما يجعل المحاماة مهنةً إنسانيّة لا تُضاهى.
وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
المحامي عيسى بن حسن النمري
مكتب عيسى النمري للمحاماة والاستشارات القانونية
مكة المكرمة — حي العوالي